مركز الثقافة والمعارف القرآنية

410

علوم القرآن عند المفسرين

الأدب ، حتى عقدت النوادي وأقامت الأسواق للمباراة في الشعر والخطابة . فكان المرء يقدّر على ما يحسنه من الكلام ، وبلغ من تقديرهم للشعر أن عمدوا لسبع قصائد من خيرة الشعر القديم ، وكتبوها بماء الذهب في القباطي ، وعلقت على الكعبة ، فكان يقال : هذه مذهّبة فلان إذا كانت أجود شعره « 1 » . واهتمت بشأن الأدب رجال العرب ونساؤهم ، وكان النابغة الذبياني هو الحكم في شعر الشعراء . يأتي سوق عكاظ في الموسم فتضرب له قبة حمراء من الأدم ، فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها ليحكم فيها « 2 » ، ولذلك اقتضت الحكمة أن يخص نبي الإسلام بمعجزة البيان ، وبلاغة القرآن ، فعلم كل عربي أن هذا من كلام اللّه وانه خارج ببلاغته عن طوق البشر ، واعترف بذلك كل عربي غير معاند . ويدل على هذه الحقيقة ما روي عن ابن السكيت أنه قال لأبي الحسن الرضا عليه السّلام : « لما ذا بعث اللّه موسى بن عمران عليه السّلام بالعصا ، ويده البيضاء ، وآلة السحر وبعث عيسى بآلة الطب ؟ وبعث محمدا - صلّى اللّه عليه وآله وعلى جميع الأنبياء - بالكلام والخطب ؟ . فقال أبو الحسن عليه السّلام : « إن اللّه لما بعث موسى عليه السّلام كان الغالب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من عند اللّه بما لم يكن في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجة عليهم . وإن اللّه بعث عيسى عليه السّلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات ، واحتاج الناس إلى الطب ، فأتاهم من عند اللّه بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيى لهم الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص باذن اللّه ، وأثبت به الحجة عليهم . وإن اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه وآله في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال : الشعر - فأتاهم من عند اللّه من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجة عليهم . . . » « 3 » . وقد كانت للنبي معجزات أخرى غير القرآن ، كشق القمر ، وتكلم الثعبان ، وتسبيح الحصى ، ولكن القرآن أعظم هذه المعجزات شأنا ، وأقومها بالحجة ، لأن العربي الجاهل

--> ( 1 ) العمدة : لابن رشيق ج 1 ص 78 . ( 2 ) شعراء النصرانية ج 2 ص 640 طبع بيروت . ( 3 ) أصول الكافي « كتاب العقل والجهل » الرواية 20 .